عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
53
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
شرح ألسنة المعلوم في قسم الإيماء : حكي أنه حضر مجلس الشريف المرتضى ، وكان الشريف نقص من شعر المتنبي ، والمعري يمدحه حتى قال : لو لم يكن في شعره إلا قصيدة التي يقول فيها : لك يا منازل في القلوب منازل لكفى فأمر الشريف بإخراجه من المجلس مسجوناً ، ثم قال : أتدرون ما عنى هذا الأعمى في القصيدة المذكورة ؟ إنما أومأ فيها إلى قول المتنبي : وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأني كامل انتهى قلت : ومما يدلك على فرط ذكاء أبي العلاء المعري ، وفرط ذكاء الشريف ، وفهمه ذلك في الحال . ثم رجع إلى المعرة ، وشرع في التصنيف ، وسار إليه الطلبة من الآفاق ، وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الأقدار ، أو قيل إنه مكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم ، يرى رأي الحكماء المتقدمين ، إذ لا يأكلونه ، لكيلا يذبحوا الحيوان ، إذ لا يرون بإيلام الحيوانات مطلقاً . قلت : وهو خلاف ما جاءت به الأنبياء والشرائع ، ودل على جعله الإجماع ونصوص الآيات القواطع . ونظم الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة . ومن نظمه : لا تطلبن بغير خط رتبة * قلم البليغ بغير خط مغزل سكن السما كان السماء كلاهما * هذا له رمح وهذا أعزل ويروى بغير حد . قلت : وقد نظمت ثلاثة أبيات ، أوضحت فيها ما أشار إليه بمثال أولى من مثاله ، فإنه أشرك بين السماكين في نيل المرتبة ، مع كون أحدهما ذا آلة يكتسب بها المراتب وهي الرمح وأنا خصصت بالمرتبة الخالي منهما عن الآلة حيث قلت : لو كان بالآلات خط يحصل * والسعد يأتي والعطايا تجزل ما كان في عالي المنازل رامح * أو لم يجزها دون ذلك أعزل لكنه من دونه قد حازها * في شرحه البدر المتمم ينزل وكلا النظمين في قوافيهما التزام ما لا يلزم ولما توفي رثاه تليمذه أبو الحسن بن همام بقوله : إن كنت لم ترق الدماء زهادة * فلقد أرقت اليوم من جفني الدما سيرت ذكرك في البلاد كأنه * مسك فسامعه يعطر أو فما قلت يعني أن طيب ثنائه يعطر سامعه أو المتكلم به المثني عليه ، واقتصر على الفم لضيق المقام في مساعدة الوزن على عموم المتكلم دون تخصيص فيه ، ويحتمل أنه أراد